محمد بن جرير الطبري

14

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ يعني إخلاء . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : غَيْرَ مُسافِحاتٍ نكاح الإماء المسافحات : المعالنات بالزنا . وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ ذات الخليل الواحد . قال : كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ، ويستحلون ما خفي ، يقولون : أما ما ظهر منه فهو لؤم ، وأما ما خفي فلا بأس ذلك . فأنزل الله تبارك وتعالى : وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ حدثني محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا معتمر ، قال : سمعت داود يحدث عن عامر ، قال : الزنا زنيان : تزني بالخدن ولا تزني بغيره ، وتكون المرأة شؤما . ثم قرأ : نكاح الإماء مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أما المحصنات : فالعفائف ، فلتنكح الأمة بإذن أهلها محصنة ، والمحصنات نكاح الإماء : العفائف ، غير مسافحة ، والمسافحة : المعالنة بالزنا ، ولا متخذة صديقا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ نكاح الإماء قال : الخليلة يتخذها الرجل ، والمرأة تتخذ الخليل . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ المسافحة : البغي التي تؤاجر نفسها من عرض لها ، وذات الخدن : ذات الخليل الواحد نكاح الإماء . فنهاهم الله عن نكاحهما جميعا . حدثنا عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله : مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ نكاح الإماء أما المحصنات ، فهن الحرائر ، يقول : تزوج حرة . وأما المسافحات : فهن المعلنات بغير مهر . وأما متخذات أخدان : فذات الخليل الواحد المستسرة به . نهى الله عن ذلك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا إسماعيل بن سالم ، عن الشعبي ، قال : الزنا وجهان قبيحان ، أحدهما أخبث من الآخر : نكاح الإماء فأما الذي هو أخبثهما فالمسافحة التي تفجر بمن أتاها ، وأما الآخر فذات الخدن . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ نكاح الإماء قال : المسافح : الذي يلقى المرأة فيفجر بها ، ثم يذهب وتذهب . والمخادن : الذي يقيم معها على معصية الله وتقيم معه ، فذاك الأخدان . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذا أُحْصِنَّ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعضهم : " فإذا أحصن " بفتح الألف ، بمعنى : إذا أسلمن فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالإسلام . وقرأه آخرون : فَإِذا أُحْصِنَّ بمعنى : فإذا تزوجن فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالأزواج . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في أمصار الإسلام ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصواب . فإن ظن ظان أن ما قلنا في ذلك غير جائز إذ كانتا مختلفتي المعنى ، وإنما تجوز القراءة بالوجهين فيما اتفقت عليه المعاني فقد أغفل ؛ وذلك أن معنيي ذلك وإن اختلفا فغير دافع أحدهما صاحبه ، لأن الله قد أوجب على الأمة ذات الإسلام وغير ذات الإسلام على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الحد حد الأمة والعبد ، فقال صلى الله عليه وسلم : " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها حد الأمة والعبد كتاب الله ولا يثرب عليها ، ثم إذ عادت فليضربها كتاب الله ولا يثرب عليها ، ثم إن عادت فليضربها كتاب الله ولا يثرب عليها ، ثم إن زنت الرابعة فليضربها كتاب الله وليبعها ولو بحبل من شعر " . وقال صلى الله عليه وسلم : " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " حد الأمة والعبد . فلم يخصص بذلك ذات زوج منهن ولا غير ذات زوج ، فالحدود واجبة على موالي الإماء إقامتها عليهن إذا فجرن بكتاب الله وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما : حدثكم به ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا مالك بن أنس عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبي هريرة وزيد بن خالد : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة تزني ولم تحصن ، حد الأمة والعبد قال : " اجلدها ، فإن زنت فاجلدها ، فإن زنت فاجلدها ، فإن زنت فقال في الثالثة أو الرابعة فبعها ولو بضفير " والضفير : الشعر .